الغزالي

188

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

مساس النار هكذا ، فما ظنّك بمن يميل إلى الرّاسخين في الظلم والعدوان ميلا عظيما ! ويتهالك على صحبتهم ومنادمتهم ، ويلقى شرّا على مؤانستهم ومعاشرتهم ويبتهج بالتزيّن بزيّهم ، ويمدّ عينيه إلى زهرتهم الفانية ، ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية « 1 » ، وهو في الحقيقة من الحبّة طفيف ، ومن جناح البعوضة خفيف ، بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ، ضعف الطالب والمطلوب . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل » « 2 » . وروي : « مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك ، إن لم يعطك ، أصابك من ريحه ، ومثل الجليس السّوء كمثل صاحب الكير ، إن لم يحرقك أصابك من دخانه » . قال اللّه تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً « 3 » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عظّم غنيا لغناه ، فقد ذهب ثلثا دينه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا مدح الفاسق غضب الربّ ، واهتزّ لذلك العرش » . وقال اللّه تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ « 4 » يعني في عرصات القيامة . وقد اختلف المفسرون في تعيين الإمام الذي يدعى كلّ أناس به . فقال ابن عبّاس وغيره : إنّه كتاب كلّ إنسان الذي فيه عمله ، أي يدعى كلّ إنسان بكتاب عمله ، ويؤيّد هذا قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ « 5 » . وقال ابن زيد : الإمام هو الكتاب المنزل ، فيقال : يا أهل التوراة ، يا أهل الإنجيل ، يا أهل القرآن . وقال مجاهد وقتادة : إمامهم نبيّهم ، فيقال : هاتوا متّبعي إبراهيم ، هاتوا متّبعي

--> ( 1 ) الدانية : القريبة . ( 2 ) يخالل : يصاحب . ( 3 ) سورة العنكبوت ، الآية : 41 . ( 4 ) سورة الإسراء ، الآية : 71 . ( 5 ) سورة الحاقة ، الآية : 19 .